التعليملغات

هائيم عبرا نسعتخا بشالوم

لا تخف من ترديدها، إنها ليست تعويذة أو طلسم سحري، إنها أول جملة تعلمتها وحفظتها من أحد الكتب التي أُهديت لي. كالعادة في نهاية كل عام دراسي كان يوم نجاحي موعد الزيارة الأثيرة إلى مكتبة دار المعارف لأشتري ما يحلو لي من قصص وكتب تناسب عمري، وذلك بخلاف تلك الكتب والمجلات أو القصص التي كان أبي – رحمه الله – يشتريها لي أسبوعيًا.

كان موعد زيارتي للمكتبة بعد نجاحي في الصف الرابع الابتدائي مع والدتي – رحمها الله – لأختار وقتها مجموعة قصص من سلسلة المكتبة الخضراء للأطفال، ولكن ما شد انتباهي أكثر سلسلة تعلم اللغات بدون معلم، وبحماس شديد أتذكره بعد مرور حوالي أربعة عقود اخترت كتاب “تعلم العبرية بدون معلم”، وسألتني أمي وقتها لماذا اخترت اللغة العبرية بالذات ولم تختر أية لغة أخرى مثل الفرنسية أو الإيطالية مثلاً؟ فكان ردي عليها ما قرأته سابقًا “من تعلم لغة قوم أَمِنَ مكرمهم”، وبالمناسبة هو قول مأثور وليس بحديث نبوي، وهي لغة الكيان الصهيوني، الذي طالما ترسخت في عقولنا ودرسنا مآثر جيل أكتوبر المجيد، وانتصارات جيشنا العظيم وأجهزتنا المخابراتية والأمنية في ذلك الوقت.

ذلك الكتاب الذي تعرفت فيه على مبادئ بسيطة عن اللغة العبرية، وكذلك على الكيان الذي يقع على شمال حدودنا الشمالية الشرقية، وملامح دينه، ومعتقداته، وأهم كتبه مثل التلمود، وهي معلومات مبسطة بالنسبة لعمري وقتها، وتناسب حجم الكتاب الضئيل.

وفي وقتنا الحاضر، لم يعد يكفي أن يكون هناك فئة من الناس تتعلم اللغات الأجنبية لتنقل آدابها وفنونها إلى باقي المجتمع، خاصة مع زيادة أساليب وتقنيات الاتصال ونقل المعلومات، حيث كانت تلك الوسائل محدودة في الكتب النادرة والصحف القليلة، أما الآن فالتكنولوجيا جعلت كل ذلك في أطراف أناملنا، ننقل ونرسل ونتواصل ونستلم ما غث وما ثمن في كل دقيقة، وبالتالي أصبح تعرض العقل لعواصف من الأفكار بمختلف اللغات والاتجاهات لا مفر منه في لحظة.

ولأن اللغة هي وعاء الفكر، يجب علينا أن نهتم أكثر بتدريس لغات الشعوب المتنوعة لأبنائنا، بالطبع بعد دراسة مستفيضة من أهل الاختصاص في اللغات والتربية، وعلم النفس والنمو، وغيرها من العلوم المرتبطة بهذا الشأن لاختيار اللغات المناسبة والعمر الأنسب لتعليم لغات جديدة علاوة على اللغة الأم.

وهنا يجب أن نشير إلى ضرورة إجادة تلك اللغات وليس مجرد سد الذرائع.

مع التطور الذي يشهده العالم، يجب بشدة التأكد من اتقان اللغة العربية ليس فقط لإنها اللغة الأم لشعوبنا ومجتمعاتنا، بل هي الرباط الوطني والديني المقدس بيننا وبين فئات المجتمع كافة، علاوة على أنها لغة العلم سابقًا وستكون كذلك مستقبلاً وفي أقرب وقت إن شاء الله، مع تزايد العلماء العرب في كل مكان، والأهم من ذلك فهي اللغة الثرية بالمشاعر والأحاسيس أكثر من أي لغة أخرى بثراء مفرداتها وتنوع آدابها.

كما يجب تعلم لغة التواصل العالمي حتى الآن وهي اللغة الإنجليزية، ثم يأتي في المراتب التالية أي لغة تكون من صميم عمل الشخص، أو البيئة والمجتمع أو الدولة التي قد يضطر العمل فيها أو السفر إليها، ولكن في أولى تلك المراتب اللغة العبرية، وذلك ليس لنأمن شرهم أو مكرهم فقط، وكأننا الطرف الذي يسمع منهم ويجب أن يفهم ما يقولون وما وراء ما يقولون، ولكن يجب أن نعرف وندرس كيف يفكرون؟، وبماذا يهتمون؟، وإلى أي مدى يخططون؟، والأجدى أن نؤثر نحن فيهم بلغاتهم وليس بلغة أخرى، فمن يلاحظ من زمن بعيد جدًا فلهم قنوات باللغة العربية ناطقة باسمهم وبمخططاتهم، ولا يوجد لدينا قنوات بلغتهم تتحدث بمصالحنا، حتى على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب.

ولا أعني بذلك تطبيع، ولكن أعني تأمين.

وفي الختام، هل كانت رحلتك مريحة؟؟؟

تلك هي الترجمة لأول جملة تعلمتها، وآخر ما أحفظه من الكتاب

تم نشر المقالة لأول مرة على موقع جريدة الجمهورية أونلاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى