التعليمتكنولوجيا التعليم

تكنولوجيا التعليم بين العلم والمهنة والصناعة

رغم أن مقالي هذا موجه للمتخصصين في مجال تكنولوجيا التعليم في المقام الأول فإنني أود أن أشير إلى أهميته أيضًا للأطراف الضالعة في العملية التعليمية وأصحاب المصلحة المرتبطين بهذا المجال، سواء القيادات في وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، والمؤسسات التعليمية بمستوياتها ومسمياتها المختلفة، والمعلمين، والطلاب وأولياء الأمور، بل وأصحاب شركات صناعة المحتوى التعليمي والمشرعين أيضًا، لذلك سأحاول مناقشة الموضوع بكلمات بسيطة بعيدة عن تعقيدات المصطلحات التكنولوجية والتربوية.
إنها دعوة صريحة للعمل على تطوير آليات العمل في مجال تكنولوجيا التعليم في مصر، بل والوطن العربي كله، خاصة بعد أن أصبح عصب العملية التعليمية الأساس، بنمطيها النظامي وغير النظامي.
تُعد المهن التربوية والتعليمية من أعقد المهن بالمقارنة بأي مهنة أخرى، وذلك بناء على الدراسة التي تمت من خلال استخدام قاموس الألقاب المهنية لوزارة العمل الأمريكية في العام 1994م، حيث إنها تتطلب مستويات عالية من المعرفة في عدة مجالات، وكذلك مهارات شخصية ومهنية مركبة، وزاد عليها في الوقت الراهن المهارات التكنولوجية المرتبطة بالتعليم والعصر الرقمي في مختلف مجالات الحياة.
وبما أن تكنولوجيا التعليم هو ذلك المجال الحيوي والنشط الذي يربط بين مجالين غاية في الأهمية، وهما مجال تكنولوجيا المعلومات الذي لا يكف عن النمو المضطرد في كل لحظة، والمجال التربوي والتعليمي الذي لم يعُد كما مضى، بطيء الحركة والنمو، بل أصبح التربويين يلهثون وراء الجديد في أصعب مجال يمس الإنسان بشكل مباشر، وهو بناء الإنسان ذاته.
ولكي تواكب أنظمتنا التعليمية التطور في هذا المجال الشائك، أنشأت له كليات وشعب متخصصة في الجامعات، وأصبح له أساتذة وخبراء متخصصين، وتطورت نظرياته وعلومه وتطبيقاته العلمية والتربوية، وتوسعت الجامعات في منح الدرجات الجامعية الأولى والعليا والماجستير والدكتوراه في هذا التخصص، واهتمت كثير من الجامعات في عقد المؤتمرات العلمية لمناقشة مباحثه المختلفة، وكذلك خصصت له الدوريات العلمية لنشر البحوث والدراسات، كما تحولت في الآونة الأخيرة بعض دور النشر المتخصصة في الكتب التعليمية والدراسية إلى شركات متخصصة في إنتاج ونشر المحتوى التعليمي الرقمي.
وفي خضم ذلك كله، كان هناك من المتخصصين الذين تم تكليفهم بالعمل في التعليم قبل الجامعي والجامعي يقومون بدور “أخصائي تكنولوجيا التعليم”، وهو أحد الأدوار المهمة في فريق عمل متخصص مكون من خبراء وضع المناهج، ومعلمي المواد الدراسية، وأخصائيي الأنشطة المختلفة، والقيادات التعليمية والمدرسية، وخبراء التقويم والامتحانات، كل ذلك من أجل تقديم خدمة تعليمية مميزة للطلاب.
ومع تزايد الاهتمام بهذا المجال على المستوى العلمي في الدراسات الجامعية، وتكثيف العمل على التنمية المهنية للمعلمين، كان من الضروري أن ينصب قدر كبير منها على تمكين المعلم تكنولوجيًا بجانب تمكينه في مادة دراسته وتطوير مهاراته التربوية، واعتقد البعض حينها أن تنمية المعلم وتطويره يجب أن يركز على المجال التكنولوجي أكثر من أي جانب آخر، وكأن التكنولوجيا هي لوحة إعلانات يعلن عليها عمله، فأصبح التطوير المهني مشوهًا، يتعلم التكنولوجيا بقدر أكبر من تعلمه وتدربه على الجديد في مادته العلمية واستراتيجياتها التربوية، كمن يتعلم عمل أدوات النجارة وكيف يثبت الأخشاب معًا، ولكنه لا يُجيد اختيار نوع الخشب ولا يُجيد أن يصنع منه أثاث له قيمة ونفع. وذلك ليس تقليلاً من المعلم، بل هناك معلمين فائقين في مجال عملهم، ولكن أتكلم عن السواد الأعظم، لأن تكنولوجيا التعليم ليست أدوات استدعيها وقت العرض فقط، بل هي علم وفن وخبرة. 
وبالتزامن مع ذلك، قل الاهتمام بشكل كبير بدور أخصائي تكنولوجيا التعليم وتنمية دوره العلمي والمهني والوظيفي، وذلك للعاملين في المجال في أي مؤسسة تعليمية جامعية أو قبل جامعية، وغيرهما، حيث أصبحت التدريبات متطابقة لما يتلقاه المعلمين غير المتخصصين في مجال تكنولوجيا التعليم، ورويدًا رويدًا أصبح دورهم كفني التشغيل الذي يقوم دوره على تشغيل الأجهزة التعليمية المختلفة والتأكد من صلاحيتها للعمل، وإجراء الصيانة الدورية لها، وفي أفضل الأحوال، يقوم بتدريب المعلمين والطلاب على تشغيل هذه الأجهزة، أما دوره كمهندس للعملية التعليمية، أو مطور للمحتوى التعليمي، وغيرها من الأدوار العديدة فهي بعيدة كل البعد عن واقع عمله.
ومن خلال دراسة الواقع الحالي تجد أن فريق العمل الذي تحدثنا عنه سابقًا تخلى عن دور أخصائي تكنولوجيا التعليم بالمفهوم الحقيقي له، وأصبح دوره مساعد في العملية التعليمية، يساعد من بعيد دون الدخول في عمليات التعليم والتعلم والتدريس.
وحيث أن أي شخص يربطه بمجال عمله بطاقة للوصف الوظيفي، فإن هناك ملاحظتان، الأولى أنه بمعايرة عمل وأداء أخصائي تكنولوجيا التعليم على بطاقة الوصف الوظيفي نجد أن هناك اختلاف كبير بينهما، من حيث مفهوم العلم والمهنة، والثانية، أن مجال تكنولوجيا التعليم مجال حيوي للغاية يتطور بشكل مذهل، وبالتالي لا يجب أن تكون بطاقات الوصف الوظيفي له ساكنة، بل يجب تطويرها وتحديثها باستمرار مع تطورات العصر والعلم، وهذا بخلاف بطاقات وصف المعلمين، التي تصاغ كخطوط عريضة وعامة وشاملة، تناسب طبيعة العمل لسنوات عدة.
وبعد أن وضع وباء كورونا أمام العملية التعليمية عدة مخاطر وتحديات، توجه التعليم الجامعي نحو تحويل الكتب الدراسية إلى كتب إلكترونية، وتقديم المحاضرات أونلاين، ولم يستعن في ذلك بأيٍ من خبراء تكنولوجيا التعليم، بل استعان بخبراء التكنولوجيا فقط، فتحول الكتاب الورقي إلى صفحة على شاشة الكمبيوتر دون حياة أو نشاط أو جذب للطلاب، وتحولت المحاضرات المباشرة إلى محاضرة أونلاين دون مراعاة أي معايير تربوية وتكنولوجية في هذا المجال، ويتضح ذلك أكثر مع المحاضرين والأساتذة غير المتخصصين في المجال التربوي بشكل عام وتكنولوجيا التعليم بشكل خاص.
وإذا نظرنا إلى مجال صناعة المحتوى التعليمي الرقمي، نجد أن معظمه يهتم بعملية الإبهار والألوان وجذب عين الطالب أكثر من جذب عقله وإدراكه وحواسه مجتمعين، وكأن صناعة المحتوى التعليمي تشبه صناعة فيديوهات اليوتيوب أو إعلانات التليفزيون.
هناك أسس وعلم ونظريات وتطبيقات يتم تطويرها كل يوم في مجال تكنولوجيا التعليم، يجب أن تكون صوب أعيينا حينما نعمل على التنمية المهنية لأخصائي تكنولوجيا التعليم، وحين نشكل فرق العمل التعليمية والتربوية، ونعيد صياغة الأدوار والمهام، ونقيّم الأداء بشكل صحيح، ونعمل على تغيير بطاقات الوصف الوظيفي لأخصائي تكنولوجيا التعليم بشكل مستمر ودوري، ونعمل على تطوير صناعة المحتوى الرقمي بأشكاله ووظائفه المختلفة بالاعتماد على المتخصصين في المجال، سواء في دور النشر المصرية أو العربية، واختيار الأنسب لنا من الشركات العالمية وفق منهج علمي واضح ومعايير دقيقة.
إنها دعوة لكل الأطراف ذات الصلة للعمل نحو تصحيح المسار.

تم نشر المقالة لأول مرة على موقع جريدة الجمهورية أونلاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى