التعليم

المعلم الأول.. من هو؟ وما مكانته؟

لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا وكان له معلم، قام بتعليمه وتربيته ومتابعته وقوم سلوكه، وغذى عقله وروحه، ولكن هل سألنا أنفسنا من هو «المعلم الأول»؟

عندما تسأل علماء ومفكري الغرب، سيقولون لك أن «المعلم الأول» هو «أرسطو طاليس»، ذلك المفكر والفيلسوف اليوناني الذي عاش في الفترة بين عامي 384 قبل الميلاد إلى 332 قبل الميلاد، مؤسس الفلسفة الغربية، الذي تتلمذ على يديه أفلاطون، والإسكندر الكبير، والذي أثر فكره عبر الزمن على آخرين من الفلاسفة والعلماء، مثل بطليموس، وابن سينا، والفارابي، وابن رشد؛ وتنوعت كتاباته في مجالات مختلفة، مثل الميتافيزيقا، والسياسة، والأخلاق، واللغويات، والمنطق، والموسيقى، والأحياء، والفيزياء.

بينما إذا سألت العلماء والفلاسفة العرب، ستكون الإجابة هي «الفارابي»، الذي عاش في الفترة بين عامي 874 م إلى 950 م، هو «المعلم الأول» كفيلسوف مسلم، أو على أفضل تقدير «المعلم الثاني»، بعد «أرسطو طاليس»، الذي تأثر به «الفارابي» في فكره وكتاباته، التي تنوعت في مجالات عدة، مثل الفلسفة، والمنطق، والموسيقى، والفيزياء وعلم النفس، وغيرها.

أما إذا سألت الناس حاليًا في بيئتنا العربية والإسلامية من المفكرين والمثقفين وحتى عامة الناس الذين لديهم نزعة دينية أكثر، ستكون الإجابة أن سيدنا «محمد» صلى الله عليه وسلم، الذي عاش بين عامي 571 م إلى 632 م، هو «المعلم الأول»، ومعلم البشرية.

ولكن إذا تفحصنا الجملة الأولى جيدًا، بأن لكل إنسان معلم، سيتم دحض كل هذه الإجابات من اللحظة الأولى، قد يكون «أرسطو طاليس» أو «الفارابي» الذي جاء بعده بقرون، معلمين عظماء بقدر ما قدموا للبشرية من علم وفكر وفلسفة، ولكن هل كل واحد منهم علم نفسه بنفسه ليكون هو «المعلم الأول»؟ بالطبع لا، وبالتالي قد تكون إجابتك «المعلم الأول» ليست بمعنى الترتيب، ولكن على الأفضلية والسبق في العلم والقيمة والمكانة التي أثرت في كل من أتى بعدهما.

وعندما نعود إلى أن الإجابة بأن سيدنا «محمد» صلى الله عليه وسلم هو «المعلم الأول»، فإنها بالتأكيد لن يُقصد بها أيضًا الأول في الترتيب، ولكن على عظمة ومكانة النبي الكريم الذي أرسله الله نبيًا ورسولاً ومعلمًا ورحمة للعالمين، دون أدني شك.

إذًا من هو «المعلم الأول» بحق؟

يجب أن تكون الإجابة على هذا السؤال تتضمن «الأول» في الترتيب و«الأول» في المكانة والقيمة.

الإجابة نقرأها في الآيات الكريمة الآتية:

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة – 31).
وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (النساء – 113)
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (الكهف – 65)
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ (الأنبياء – 80)
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (يوسف – 6)
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة – 251)
الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) سورة الرحمن.

هل علمت من هو «المعلم الأول» الآن؟ إنه «الله سبحانه وتعالى»، الذي ينطبق عليه «الأول» علوًا وعظمةً وتقديسًا وتشريفًا، وكذلك ترتيبًا.

فيما علمه «الله سبحانه وتعالى» لنا، أنه خلق الكون وكل شيء نعرفه أو لا نعرفه، كان بكلمة «كن فيكون»، وعندما أراد بحكمته «جل وعلا» خلق «آدم»، خلقه «بيديه عز وجل»، وذلك تكريمًا وتشريفًا له ولذريته فيما بعد، وعندما أراد بحكمته أن يُعلِّم الإنسان كرّم «آدم» وشرفه بأنه علمه بذاته «سبحانه وتعالى».

فعندما تريد أن تكرم إنسان في ضيافتك أشد الكرم فإنك تقوم بضيافته بنفسك وبيديك، فيكون الضيف في منتهى السعادة أن صاحب البيت قام وأكرمه بنفسه وليس بأحد من أفراد عائلته أو خدمه.

وعندما تتعلم على يد أستاذ أو عالم كبير تظل مفتخرًا طوال عمرك بأن أستاذك كان ذلك العالم الكبير أو الشيخ الجليل، ونرى ذلك في سير العلماء لنؤكد أنه حصل العلم بقدر كبير، فنذكر من هم أساتذته ومربيه وشيوخه.

فإذا تتبعت تاريخ معلميك واحدًا تلو الآخر، ستجد أن علمهم يصل إلى «الأنبياء»، وهم بالتبعية تعلموا من «الله عز وجل»، ولأن العلم شرفًا ومكانة رفيعة للإنسان، أبى «الله سبحانه وتعالى» أن يكون هذا العلم والتشريف إلا من صنعة يديه «عز وجل».

فإذا تدبرت الآيات السابقة، ستجد أن «الله سبحانه وتعالى» علم الإنسان كل شيء من خلال الأنبياء، وعندما انتهت النبوة في بني البشر، كان العلماء والمعلمين هم «ورثة الأنبياء»، كما جاء في الحديث النبوي الشريف «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِى جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» رواه أبو داود والترمذي، ولنفهم معنى «ورثة»، نفهم أولاً معنى «النبي» الذي هو ناقل رسالة «الله سبحانه وتعالى» إلى البشر عقيدةً وعلمًا، ولأن الله يريد الخير للإنسان ويريد أن يعلمه بعد انتهاء النبوة من حيث العقيدة، كان يجب أن يكون هناك ورثة للأنبياء ينقلون العلم لباقي البشر، فكان العلماء والمعلمين. وسيظل «الله سبحانه وتعالى» يعلمنا إما تصريحًا على يد معلم أو إلهامًا حتى نعرف ونكتشف كل جديد لم نكن نعرفه من قبل، لأن الإلهام خصلة من خصال الأنبياء التي ورثها العلماء، بعد انقطاع الوحي، ولكن بدون النبوة.

لذا وأنت بين يديّ «معلمك» اعلم أنك بين يديّ وريث الأنبياء، الذين تلقوا العلم من «الله سبحانه وتعالى»، اعلم أن هذا «المعلم» الإنسان هو الوسيط بينك وبين «المعلم الأول»، الذي علم الإنسان والطير وكل شيء «سبحانه وتعالى».

اعلم أن هذا الإنسان الذي أصبح «معلمًا» هو ذلك الإنسان الذي أصاب الحظ الوافر بأن شرفه «الله سبحانه وتعالى» ليأخذ من قبس نوره وعلمه وحكمته وقدرته في التعليم ليكون «معلمًا».

اعلم أن تقديرك واحترامك ومهابتك «للمعلم» هو ذلك التقدير والاحترام والمهابة «للأنبياء» وتقديسًا وطاعةً «لله سبحانه وتعالى» المعلم الأول. أما إذا أهدرت تقديرك واحترامك «للمعلم» الذي علمك، فإن فيك جهلاً بقيمة العلم والعلماء، بل وجهلاً بعظمة «الله سبحانه وتعالى» الذي أراد أن يرفعك بالعلم من خلال «المعلم».

تذكر، أن «المعلم» لا يرفعه تقديرك أو احترامك، ولا ينقصه ذلك، بل «المعلم» هو من يرفعك من الجهل للعلم ومن خصال الدواب إلى خصال الإنسان. فإذا كنت ملكًا أو أميرًا أو رئيسًا أو قائدًا للجيوش، أو طبيبًا أو مهندسًا أو قاضيًا، فارفع شأنك برفع «المعلم» فوق الرقاب، من كل وجه كان، وإذا قصرت في حقه فأنت قصرت في فضل «الله سبحانه وتعالى» عليك الذي أرسل لك «المعلم» يعلمك باسمه، حتى تتحقق الآية الكريمة «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة – 11)».

تم نشر المقالة لأول مرة على موقع جريدة الجمهورية أونلاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى